ابن الجوزي

327

كشف المشكل من حديث الصحيحين

الوسوسة حديث الشيطان في بواطن القلوب ، والمحض : الخالص . وأصل هذا أن اللبن إذا لم يخلط بالماء قيل له محض : أي خالص . وقد روى هذا الحديث أبو هريرة مكشوفا فقال : جاء ناس من أصحاب رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] فسألوه : إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به . قال : « وقد وجدتموه ؟ » قالوا : نعم ، قال : « ذاك صريح الإيمان » ( 1 ) والمعنى : عن الذي يمنعكم من قبول ما يلقيه الشيطان إليكم حتى يصير ذلك وسوسة لا يتمكن من القلوب ولا تطمئن إليها النفوس صريح الإيمان ، لا أن الوسوسة نفسها صريح الإيمان ، لأنها من فعل الشيطان فكيف تكون إيمانا ( 2 ) ؟ 269 / 319 - وفي الحديث العاشر : « ليلني منكم أولو الأحلام والنهى ، ثم الذين يلونهم - ثلاثا - وإياكم وهيشات الأسواق » ( 3 ) . كثير من المبتدئين في قراءة الحديث يقرؤون : ليليني بإثبات الياء ، وهو غلط ، إنما هو مجزوم بالأمر : « ليلني » . والأحلام : العقول . والنهى : اسم للعقل أيضا ، لأنه ينهى عن القبيح . وإنما أمر بهذا لثلاثة معان : أحدها : تفضيلهم بالتقدم . الثاني : ليعقلوا عنه ما ينقل من فعله . والثالث : لأنه ربما احتاج إليهم إما بتذكيره ما أخل به أو في استنابتهم إن نابه أمر . وفي تقديمهم تعليم للناقصين التأدب بالتأخر وقوله : « ثم الذين يلونهم » أي في المنزلة والقدر . وهيشات الأسواق : اختلاطها وما يكون فيها من الجلبة وارتفاع

--> ( 1 ) مسلم ( 132 ) . ( 2 ) ينظر النووي ( 1 / 512 ) . ( 3 ) مسلم ( 432 ) .